الجمعة، 21 سبتمبر 2012

د.محمد البرادعي يكتب: سنوات الخداع الحلقه « 4» | الموجز

د.محمد البرادعي يكتب: سنوات الخداع الحلقه « 4» | الموجز

د.محمد البرادعي يكتب: سنوات الخداع الحلقه « 4»

 Wed, 09/19/2012 - 10:36

http://almogaz.com/user/84/edit
وبعد قُرابة عام من العمل الميدانى فى العراق كان يمكن القول إن تنفيذ القرار (687) كان يسير بصورة جيدة. وأصبح من الواضح أمام فرق التفتيش كيف بدأ برنامج صدام حسين النووى ودوافعه. وكان باديا أن الجزء السرى من هذا البرنامج بدأ فى عام 1982 بعد فترة قصيرة من قيام إسرائيل بتدمير المفاعل البحثى النووى فى «أوزيراك»، والذى كان يخضع لنظام الضمانات التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من قبل أن يبدأ تشغيله. وبغض النظر عن أى نوايا كانت لدى صدام حسين ومعاونيه فى الحصول على أسلحة الدمار الشامل، فإن تلك النوايا تزايدت بعد هذه التجربة المهينة.
أدى هذا الحادث إلى إلقاء الضوء على حالة الاختلال الأمنى فى المنطقة لصالح إسرائيل بوصفها الدولة الوحيدة التى تمتلك السلاح النووى فيها. ورغم قيام مجلس الأمن بإدانة التصرف الإسرائيلى بوصفه خرقا صارخا للقانون الدولى فإنه لم يتبع ذلك بأى إجراءات من أى نوع. بل إن إسرائيل تجاهلت مطلب مجلس الأمن بتقديم التعويض للعراق، وبأن تقوم بوضع منشآتها النووية تحت مظلة ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبالتالى قرر صدام حسين أن يتعامل مع هذه المشكلة بنفسه وكانت النتائج ما رأيناه بعد ذلك.
وفى أعقاب الكشف عن البرنامج السرى للتسلح النووى فى العراق، قمت بزيارتين لواشنطن حيث التقيت شخصيات عديدة من الكونجرس والشخصيات الحكومية. وكان السؤال الذى يدور بخَلَد كل من التقيت بهم يرتبط بأسباب عجز الوكالة عبر السنوات عن الكشف عن البرنامج السرى للتسلح النووى فى العراق. ولقد تحدثت بصراحة عن الأخطاء التى تشوب طريقة عمل الوكالة، وأكدت أن الوكالة فى حاجة إلى مزيد من الصلاحيات القانونية. وكانت اللحظة مواتية لطرح هذا الأمر حيث لم يكن بوسع أحد أن يقول إن نظام الضمانات المنصوص عليه فى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يعمل بالكفاءة المطلوبة، خصوصا أن البرنامج العراقى لم يكشف الستار عنه إلا فى أعقاب ما تعرض له من هزيمة عسكرية.
وعندما عدت إلى فيينا بدأنا فى الأمانة العامة للوكالة العمل لصياغة نموذج البروتوكول الإضافى الذى من شأنه أن يجعل عمليات التحقق التى تقوم بها الوكالة فى الدول أكثر قوة وأكثر تفصيلا. وحسب التصور الذى تم وضعه كان مفترضا أن يكون البروتوكول الإضافى مُكملا لاتفاق الضمانات الذى كانت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية تتطلب إبرامه بين الدول وبين الوكالة الدولية.
ولم يكن ذلك بالأمر السهل، حيث كان يتطلب الجمع بين اعتبارات فنية وقانونية وسياسية. وكانت إحدى القضايا التى تناقَشنا حولها باستفاضة هى المدى الذى يمكن لأى بلد أن يذهب إليه فى القبول بالتفتيش من قِبل الوكالة والحقيقة أن ذلك لم يكن بالأمر الجديد، حيث إن واحدة من أكثر النقاط تعقيدا أثناء التفاوض حول معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كانت تتعلق بمدى قبول الدول بصلاحيات المراقبة من قِبل الوكالة.
والأمر المؤكد أن عملية الخداع المتعمدة التى قام بها العراق أكدت أن الاستمرار فى اعتماد التفتيش على «ميثاق شرف» لم يعد كافيا، وأن الاقتصار فى التفتيش على ما تعلنه الدول من منشآت وأنشطة لم يعد كافيا كذلك، وأن الوكالة الدولية لا تتمتع بالسلطات والصلاحيات الكافية للقيام بمهمتها المتعلقة بمراقبة حظر الانتشار. ولكن مع أخذ كل تلك الحقائق فى الاعتبار لم يكن لدينا ما يجعلنا نثق أن الدول الأعضاء ستقبل الخضوع لمزيد من المراقبة من قِبل الوكالة.
وللأسف فإن خلافا نشأ بين «هانز بليكس» وبينى بينما كنا نعكف على صياغة مسودة لنموذج البروتوكول الإضافى، حيث اقترحت إشراك الدول الأعضاء فى الوكالة فى صياغة هذا البروتوكول، بينما كان «بليكس» على قناعة بأنه سيكون من الأفضل أن تتولى الأمانة العامة الأمر وحدها، حيث إننا كان لدينا، حسب رأيه، الخبرات الكافية للقيام بهذه المهمة. ومن ثَمَّ كان على فريق الأمانة العامة للوكالة أن يقوم بصياغة مسودة للبروتوكول الإضافى وأن يطرحها على مجلس المحافظين، والذى يضم ممثلين عن 35 دولة من الدول الأعضاء لمناقشتها، على أن تستمر عملية مراجعة وتنقيح المسودة حتى تتم الموافقة عليها. وكان «بليكس» مقتنعا بأن وضع المسودة فى أيدى الدول كفيل بإنهاء المشروع قبل أن يبدأ.
ولكن سرعان ما تبين أن نهج «بليكس» لن يُفضى إلى النتائج المرجوة وأنه من الضرورى إشراك الدول فى صياغة البروتوكول الإضافى لضمان موافقتها عليه. وعليه فقد اقترحت على «بليكس» أن نقوم بإنشاء فريق عمل يضم الدول الأعضاء فى مجلس المحافظين، ولكنه عارض هذه الفكرة تماما.
وقد رأى عدد من الدول الأعضاء فى إبعادها نوعا من عدم الانفتاح من جانب الوكالة فى أمر يتعلق بوضع وثيقة ستكون بمثابة آلية سياسية مهمة ومؤثرة. لذا قام بزيارتى فى ذلك الوقت ممثلون عن مجموعة من عشر دول غربية وهى الدول التى نصِفُها بالملائكة البيضاء بسبب دعمها غير المحدود لحظر الانتشار مقترحين أن أطالب «بليكس» بالتخلى عن فكرة سيطرة الأمانة العامة للوكالة على مشروع البروتوكول الإضافى والسماح لمجلس المحافظين بالانخراط فى النقاش حول البروتوكول وصياغته. وقد تحدثت إلى «بليكس» فى ذلك ولكنه كان مستاء من عدم ذهابهم إليه مباشرة.
على أن هذه الحادثة التافهة نسبيّا كانت بداية لتوتر ملموس فى ما بيننا. ربما اعتقد أننى كنت أعمل دون علمه، وعلى أية حال كان ذلك أمرا مؤسفا لا سيما وأن «بليكس» هو الذى عيننى فى البداية للعمل فى الوكالة والذى تقدمت تحت رئاسته من منصب المستشار القانونى إلى منصب المدير العام المساعد للعلاقات الخارجية. واستمر الخلاف بعد ذلك حول آلية صياغة البروتوكول فى الغرف المغلقة. وأخيرا أخبر رئيس مجلس المحافظين فى ذلك الوقت، السفير الكندى «بيتر ووكر»، «بليكس» أنه سيتولى الأمر وطلب أن تقدم له الأمانة الدعم اللازم. وعُين «ريتشارد هووبر»، وهو مدير فى إدارة الضمانات يعرف جيدا مفاهيم الضمانات، مسؤولا فنيّا أساسيّا فى الموضوع، وكنت أنا المسؤول عن الموضوعات القانونية المتعلقة بالسياسات، وتولى رئيس المجلس كذلك رئاسة فريق العمل، ولم يحضر «بليكس» أيّا من الجلسات. كانت المهمة طويلة ومعقدة دافعتْ فيها كثير من الحكومات عن مواقفها. وكانت أشرس المعارك هى المعارك السياسية. ويرجع الفضل فى النجاح بدرجة كبيرة إلى الدبلوماسية الماهرة التى مارسها عدد من الأطراف الرئيسيين.
وفى النهاية اعتمد مجلس المحافظين نموذج البروتوكول الإضافى فى 13 مايو 1997، وكان وثيقة قانونية فارقة فى الصلاحيات القانونية المتاحة لتنفيذ معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وجعل نظام الضمانات فيها أكثر فاعلية. ماذا تغير إذن بعد اعتماد هذا البروتوكول الإضافى؟ يمكن القول إن الدول التى وافقت عليه منحت المفتشين قدرا أكبر من الحرية والمرونة فى أداء عملهم ميدانيّا، وسمحت لهم بالحصول على معلومات أكثر ودخول المنشآت المطلوب تفتيشها بصورة أسهل بما يسَّر كثيرا من سُبل التحقق من أنه ليست هناك أية مواد أو منشآت نووية لم يعلن عنها. وقبل اعتماد البروتوكول الإضافى كان يحق للوكالة نظريّا أن تعمل على تفتيش أماكن ومنشآت لم يعلن عنها من قِبل الدول تحت مظلة آلية إجراء «تفتيش خاص»، ولكن استخدام مثل هذه الآلية لم يكن أبدا بالأمر اليسير من الناحية العملية، وبالتالى فإن البروتوكول الإضافى وفر سهولة ونمطية أكبر فى الحصول على المعلومات والتفتيش على المنشآت.
كان من شأن اعتماد نموذج البروتوكول الإضافى، وهو علامة رئيسية كبرى فى تاريخ الضمانات النووية، أن يحدث تغيير كبير. فبالنسبة إلى البلدان التى لم يكن لديها سوى اتفاق ضمانات فقد اقتصرت تأكيدات الوكالة على أن المواد والمنشآت النووية المعلن عنها لم تحوَّل إلى أغراض غير سلمية. غير أنه بالنسبة إلى أولئك الذين أدخلوا البروتوكول الإضافى إلى حيز النفاذ فقد أصبح بمقدور الوكالة أن تقدم، بالإضافة إلى ذلك، تأكيدا بنفس القدر من الأهمية، وهو عدم وجود مواد أو منشآت نووية غير معلن عنها.
وكانت هناك إشكالية واحدة، فبينما كان نظام الضمانات إلزاميّا بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية فإن البروتوكول الإضافى كان اختياريّا ولا يمكن فرضه على الدول وما زال هذا هو الحال حتى اليوم. فالدول ليست مُجبرة على القبول بالبروتوكول الإضافى، بغض النظر عن مدى محاولات الإقناع الذى تمارسه الوكالة أو الدول الأخرى الأعضاء.
وتوجد هنا كذلك ثغرة فى الفهم العام لدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فالوكالة لا تستطيع أن تمارس من السلطات غير ما يُعطَى لها. عندما بدأتُ بزيارة الدول العربية بوصفى مديرا عامّا للوكالة كنت كثيرا ما أستمع إلى انتقادات موجهة للوكالة لعجزها عن «القيام بشىء ما» إزاء برنامج إسرائيل النووى. ولم يكن فى وسعى سوى أن أكرر مرارا أن الوكالة ليس لها الحق فى تفتيش منشآت إسرائيل النووية لأن إسرائيل، وإن كانت عضوا فى الوكالة، فهى لم تقم بالانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ولم تبرم اتفاق ضمانات، وبالتالى فإنها ليست خاضعة لنظام ضمانات الوكالة. غير أن هذا الحديث لم يكن ليريح الرأى العام فى العالم العربى، والذى كان يُصر على أن الوكالة منحازة إلى صالح إسرائيل ولا تقوم بمهماتها على الوجه الأكمل.
والحقيقة أنه إذا ما تفهَّم الرأى العام طبيعة الصلاحيات غير المتساوية للوكالة، لربما ازدادت حدة القلق، وعلى هذا فإن التحدى الذى يواجهنا هو كيفية رفع مستوى الوعى العام بدور الوكالة وبعملها.
فإذا نظرنا إلى الظروف الحاضرة، سنجد أنه فى أواخر سنة 2010، أى بعد ثلاثة عشر عاما من اعتماد البروتوكول الإضافى، فإن كثيرا من الأطراف فى معاهدة حظر الانتشار لم يُدخلوا حيز النفاذ حتى اتفاقات الضمانات الشاملة التى أبرموها مع الوكالة. وكذلك فمن بين 189 دولة طرفا فى المعاهدة لم يدخل البروتوكول الإضافى حيز النفاذ سوى فى 103 دول فقط. وبالنسبة إلى العدد الكبير من الدول المتبقية فإنه عندما يتعلق الأمر بتقديم التأكيدات التى يريدها المجتمع الدولى تقف الوكالة مكتوفة الأيدى.
هل يمكن أن يكون هناك صدام حسين آخر فى مكان ما لم يُكتشف بعد، ويعمل بهمّة فى الخفاء؟ الإجابة: بالنسبة إلى الدول التى لم تقبل البروتوكول الإضافى، إننا حقّا لا نعرف.
لقد استمرت الوكالة مع «الأنسكوم» فى القيام بمهماتها فى العراق حتى منتصف التسعينيات، فقد تم شحن جميع المواد التى يمكن استخدامها للتسليح إلى خارج البلاد، وتم التحقق من أن كل المواد النووية الأخرى: خمسمائة طن تقريبا من اليورانيوم الطبيعى بمختلف أشكاله، وطنين من ثانى أكسيد اليورانيوم منخفض التخصيب تندرج تحت رقابة الوكالة. واتخذت خطوات مماثلة بالنسبة لمخزونات الأسلحة البيولوجية والكيماوية.
وبحلول شهر أكتوبر 1997، كانت الوكالة قد قامت بسلسلة من حملات التفتيش الرئيسية فى العراق بلغت ثلاثين حملة. كان قد تم التفتيش على خمسمائة موقع تقريبا استغرقت أكثر من خمسة آلاف يوم عمل من المفتشين. وأشرف المفتشون على تدمير ما يزيد على خمسين ألف متر مربع من المنشآت النووية، وألفَى قطعة تقريبا تتعلق بدورة الوقود أو الأسلحة، وأكثر من ستمائة طن مترى من المعادن ذات التشكيل الخاص. وعلى سبيل المثال فإن المنشآت الواقعة فى منطقة الأثير، التى صممت لتطوير أسلحة نووية واختبارها وإنتاجها، تم تدميرها بطريق التفجير تحت إشراف الوكالة و«الأنسكوم»، وتم تفكيك جميع منشآت ومعدات تخصيب اليورانيوم. وبصورة تدريجية تم الانتهاء من المهمة الموكلة إلى هذه الفرق بموجب القرار (687)، وبالتالى بدأت الوكالة و«الأنسكوم» فى التركيز على أعمال المراقبة والتحقق بدلا من التركيز على أعمال تفكيك المنشآت والمعدات والتخلص منها، وقد ذكرت الوكالة ذلك فى تقاريرها إلى مجلس الأمن. ولم يعد هناك الكثير الذى يمكن قوله عما لم يتم إنجازه من المهمة الموكلة للوكالة الدولية، غير أن الخارجية الأمريكية وغيرها من قطاعات الإدارة الأمريكية كانت ترغب فى أن لا نرفع تقريرا إلى مجلس الأمن يفيد بانتهاء الجزء الأعظم من تلك المهمة حيث كانت هناك رغبة لدى الأمريكيين فى إبقاء الضغط الشديد على صدام حسين.
واقترحت الولايات المتحدة الأمريكية أن ترجئ الوكالة تقديم تقرير الانتهاء من أعمالها إلى مجلس الأمن حتى تنتهى «الأنسكوم» بدورها من عملها. ولم يكن هناك منطق فى هذا الطلب، ولقد شرح «بليكس» هذا الأمر للأمريكيين خلال مناقشات أجراها معهم، حيث قال لهم إن عليهم أن ينظروا إلى الوكالة وإلى «الأنسكوم» بوصفهما اثنين من الخيل يركضان فى سباق، ولا بأس من أن يصل أحدهما قبل الآخر إلى نقطة النهاية.
وقدم «بليكس» تقريره لمجلس الأمن فى أكتوبر 1997 بوصفه مقبلا على الانتهاء من مهمته على رأس الوكالة. كان يشعر أنه بسبب قرب تركه منصبه فإنه كان من الأيسر له أن يقاوم ضغوط الولايات المتحدة، حيث أبلغ المجلس أن الوكالة قد انتهت إلى حد كبير جدّا من عملية تفكيك برنامج التسلح النووى للعراق، وأنها بدأت بالفعل فى الانتقال إلى المرحلة التالية، مشيرا إلى أن الوكالة تقوم الآن بتكريس جل إمكاناتها فى العراق لعمليات الرصد والتحقق، وأنه لم يعد يتبقى من عمليات نزع السلاح شىء يُذكر.
وفى ذلك الوقت كان موقف «الأنسكوم» أكثر تعقيدا، والحقيقة أنه منذ بدء عمليات التفتيش كان هناك فرق كبير بين الوكالة و«الأنسكوم» من حيث تكوين فِرق التفتيش أو طريقة العمل. لكن الفروق المقلقة بين عمل وأداء كل من الوكالة و«الأنسكوم» بدأت تتضح بصورة جلية فى مرحلة لاحقة من التسعينيات. لقد زعم العراقيون أن «الأنسكوم» ما هى إلا جهاز تجسس تابع للأمريكيين والإسرائيليين، وأن «الأنسكوم» تتخذ عمليات نزع أسلحة الدمار الشامل التى تقوم بها فى العراق ذريعة لجمع معلومات وتمريرها إلى الأمريكيين والإسرائيليين، مشيرين فى ذلك إلى أن المعلومات التى اتهموا «الأنسكوم» بمحاولة جمعها تشمل التسليح التقليدى والقدرات العسكرية الإجمالية للعراق، وهى المعلومات التى كان العراق يرى أنه سيتم استخدامها من قِبل الحكومات الغربية لتحديد الأهداف التى يُجرى قصفها خلال عمليات عسكرية.
ولقد ازدادت حدة هذه الاتهامات بعد انتهاء رئاسة «إيكيوس» «للأنسكوم» ليحل محله «ريتشارد بتلر»، الدبلوماسى الأسترالى صاحب الخبرة الواسعة فى مجال نزع السلاح. فقد اتهم العراقيون «بتلر» و«سكوت ريتر» وغيرهما من مفتشى «الأنسكوم» بالقيام بعمليات تجسس على الآلة العسكرية لصدام حسين لحساب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وبعد بعض الوقت بدأ «بتلر» و«ريتر» فى تبادل الاتهامات أيضا فى ذات الاتجاه.
وفى عام 1999 نشرت الصحيفتان الأمريكيتان، «الواشنطن بوست» و«البوسطن جلوب»، تقارير تفيد بقيام بعض مفتشى «الأنسكوم» بالتعاون فى عمليات تنصت لصالح أجهزة مخابرات، وأن هؤلاء المفتشين مكَّنوا عملاء هذه الأجهزة من تتبع اتصالات عسكرية خاصة بالعراق. بل إن «سكوت ريتر» نفسه قد أقر بمدى استغلال «الأنسكوم» فى هذا الصدد حيث قال فى مقابلة تليفزيونية أجراها فى عام 2002 مع قناة فوكس نيوز:
«لقد سمح (ريتشارد بتلر) للولايات المتحدة الأمريكية بأن تستخدم أعمال التفتيش على الأسلحة، التى تجريها الأمم المتحدة، بمثابة حصان طروادة، لزرع قدرات استخباراتية أمريكية فى العراق دون موافقة من قِبل الأمم المتحدة، وبما لم يسهم فى تسهيل عملية نزع السلاح، حيث إن الغرض منها كان يتعلق بالأساس بالإجراءات الخاصة بتأمين صدام حسين وبأهداف عسكرية».
«لقد سهل (ريتشارد باتلر) عملية تجسس أمريكى فى العراق من خلال استخدام الولايات المتحدة لأعمال التفتيش فى العراق. ففى أربع مناسبات بدءا من مارس 1998 وحتى استقالتى فى أغسطس من العام نفسه، كتبت مذكرة إلى (ريتشارد باتلر) وقلت له فيها: سيدى، إن استمرارنا فى المضى فى الطريق الذى ننتهجه الآن يعنى ببساطة أننا نُسهِّل عمليات التجسس، وهذا ليس بالأمر المفترض فينا أن نضطلع به ولا يجوز أن نسمح بذلك، ولقد تلقى (باتلر) هذه المذكرة ولم يعبأ بها إطلاقا، ولم يُعْنَ بالتحذير الوارد فيها، وها نحن الآن فى النهاية فى وضع علينا أن نسأل أنفسنا فيه: لماذا لا يتمكن المفتشون من التواجد فى العراق للقيام بعملهم؟».
ولقد نفى «باتلر» وبشدة هذه الاتهامات وقال إن «ريتر» يزعم «أننى كنت أعمل لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وهو أمر عار تماما عن الصحة». بل إن «باتلر» قال إنه قلَّص درجة لجوء «الأنسكوم» لاستخدام المعلومات التى تتيحها أجهزة المخابرات حرصا على سمعة «الأنسكوم» وحفاظا على «استقلالية نشاطات نزع السلاح التى تتم فى الإطار متعدد الأطراف».
وأقر «باتلر» بأنه كانت هناك أوقات قام فيها أعضاء فريق «الأنسكوم» بإرسال معلومات عن مهمتهم فى العراق إلى حكومات بلادهم، ولكنه أنكر وبصفة قطعية سيطرة جهاز المخابرات المركزية الأمريكية على عمل مفتشى «الأنسكوم»، واصفا اتهامات «ريتر» بأنها «تدعو للسخرية». والواضح فى ما يبدو أن «باتلر» كان لديه رأيه الخاص عن نوايا حكومة صدام حسين.
وكان «رولف إيكيوس»، قبل أن ينهى مهمته فى رئاسة «الأنسكوم» فى عام 1997، قد رفع تقريرا يفيد بأن المهمة الموكلة «للأنسكوم» لنزع أسلحة العراق الكيميائية والبيولوجية قد اقتربت من الانتهاء. ولقد اختلف «باتلر» مع هذا التقييم وأصر دوما على أن العراق لديه برامج لأسلحة الدمار الشامل لم يتم الكشف عنها بعد. وفى 15 ديسمبر 1998 رفع «باتلر» تقريرا إلى مجلس الأمن قدم فيه صورة متشائمة حول ما وصفه بعدم تعاون العراق مع فريق التفتيش العامل تحت رئاسته، وكان كثيرون يرون أنه تقرير غير متوازن وغير منصف.
كان تقرير «باتلر» هو الذريعة التى استخدمتها الولايات المتحدة لشن عمليات القصف التى تعرضت لها العراق فى ما يعرف بعملية «ثعلب الصحراء» فى 1998. ومن الجدير بالملاحظة أنه فى اليوم الذى رفع فيه «باتلر» تقريره هذا إلى مجلس الأمن طلبت الولايات المتحدة الأمريكية إجلاء المفتشين التابعين «للأنسكوم» والوكالة عن العراق لدواعى التأمين مما يوحى بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت على علم بما جاء فى التقرير. وفى منتصف ليل 15 ديسمبر بتوقيت نيويورك (فجر 16 ديسمبر فى الشرق الأوسط وأوربا) أصدر «باتلر» تعليمات بسحب مفتشى «الأنسكوم» من العراق. وعندما استيقط الدبلوماسيون فى صباح 16 ديسمبر كانت عملية سحب المفتشين قد أصبحت أمرا واقعا.
وفى هذا الوقت كنت قد توليت منصب المدير العام للوكالة خلفا لـ«هانز بليكس». وفى ساعة مبكرة من صباح 16 ديسمبر استيقظت على اتصال هاتفى من «جون ريتش»، سفير أمريكا لدى الوكالة فى ذلك الوقت، حيث أخبرنى بالنصيحة الأمريكية بسحب المفتشين التابعين «للأنسكوم» والوكالة الدولية، مشيرا إلى أن «باتلر» بالفعل قد بدأ بسحب مفتشيه. وبالنظر إلى أن الوكالة كانت تعتمد على التسهيلات اللوجستية التى توفرها «الأنسكوم» لتسهيل مهمة المفتشين فلم يكن هناك من خيار أمامنا سوى سحب المفتشين أيضا.
وبعد هذه المحادثة مع «ريتش» أجريت اتصالا مع سكرتير عام الأمم المتحدة «كوفى أنان» الذى كان فى ذلك الوقت فى المغرب، حيث أيقظته من نومه لأتشاور معه حول قرار «باتلر»، ولقد هالنى يومها أن أعلم أن «أنان» لم يكن على علم بقرار سحب المفتشين الذى بدأ «باتلر» بتنفيذه.
وبالفعل فلقد ترك المفتشون العراق فى ذات اليوم 16 ديسمبر لتبدأ مباشرة عملية قصف جوى لأهداف عراقية استغرقت أربعة أيام مستهدِفة العديد من المواقع العسكرية العراقية بما فى ذلك مواقع مخصصة لعمليات بحوث وتطوير الأسلحة. وكان المبرر الرسمى الذى تم طرحه أن العملية العسكرية جاءت ردّا على إمعان العراق فى عدم الانصياع لقرارات مجلس الأمن وتدخل العراق فى عمليات التفتيش الدولية.
ولقد تسبب ذلك فى فقدان «الأنسكوم» لأية مصداقية كانت تتمتع بها. ولم يتردد كثيرون فى انتقاد تقرير «باتلر» ووصفه بأنه مغالٍ فى مجافاة العدالة. كما أن الغضب اعترى الصين وفرنسا وروسيا جراء التأثير الذى تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية على «الأنسكوم»، وهو فريق تفتيش دولى. وفقدت «الأنسكوم» الثقة فى أن تمثل المجتمع الدولى بوصفها مُعبِّرا أمينا عن الأمم المتحدة.
وفى يناير 1999، قمت بتقديم ورقة غير رسمية لأعضاء مجلس الأمن بها بعض الأفكار المقترحة من قِبلى تحت عنوان «عملية التفتيش عن الأسلحة فى العراق». وكان الهدف من هذه الورقة غير الرسمية هو طرح الأسس وأطر العمل التى يمكن من خلالها استعادة الثقة والحياد فى منظومة البحث عن أسلحة الدمار الشامل فى العراق. واقترحت فصل مهمة التفتيش عن مجلس الأمن لإبعادها عن الوقوع تحت تأثيرات سياسية. كما نصحت بأن يكون قوام الفِرق القائمة على التفتيش من الموظفين الدوليين عوضا عن الاعتماد على «الخبراء» الذين توفدهم الحكومات والذين قد تكون لديهم أسبقية الالتزام بالولاءات الوطنية لدولهم. كما نصحت بأن يتم اتباع قواعد أكثر وضوحا فى عمليات التفتيش تركز بالأساس على الأهداف الفنية، كما طالبت بكل وضوح أن تلتزم فرق التفتيش مراعاة الحساسيات الدينية والثقافية أثناء القيام بمهماتها وهى الحساسية التى كانت «الأنسكوم» كثيرا ما تتجاوزها فى العراق.
ولقد أُعجب «أنان» بهذه الأفكار وأعرب عن تقديره لمجهودى، وكذلك الروس وغيرهم. غير أن الخارجية الأمريكية كانت غاضبة وبشدة أننى لم أقم بالتشاور معهم قبل طرح هذه الأفكار على أعضاء مجلس الأمن والسكرتير العام. وحذرنى السفير الأمريكى فى فيينا من أن بعض المسؤولين الأمريكيين كانوا يهددون باللجوء إلى عدد من كُتاب الرأى فى الصحف الأمريكية، المعروفين بتشددهم فى دعم السياسات الأمريكية، مثل «ويليام سفاير» و«تشارلز كروتهامر» وغيرهما لشن حملة تُشكك فى مصداقيتى.
فى الوقت نفسه لم يعد هناك الكثير مما يمكن فعله فى ما يتعلق بموقف «الأنسكوم» إزاء العراق، حيث إن الضرر كان قد وقع فعلا، ولم يكن هناك من وسيلة لدرئه، وفى خلال العام كانت «الأنسكوم» قد تم تفكيكها من قِبل مجلس الأمن وتم استبدالها بلجنة جديدة هى «الأنموفيك» التى اتبعت معايير وقواعد مختلفة لعملها، لكن فى أعقاب عملية «ثعلب الصحراء» لم يوافق صدام حسين لمدة أربع سنوات على السماح لمفتشى الوكالة الدولية ومفتشى الأمم المتحدة بالدخول للعراق. وكان من شأن هذا الغياب أن يُسهم فى إيجاد شكوك بأن صدام حسين بصدد إعادة بناء برامج لأسلحة الدمار الشامل، وهو ما يوفر الذريعة لحرب أخرى.
وعلى الرغم من أن نجاح الوكالة فى تفكيك البرنامج النووى للعراق تسبب فى إسكات الأصوات التى تنتقدها، والتى كانت تقلل من شأن العمل الذى تقوم به، الأمر الذى مثَّل شهادة لكفاءة عمل الوكالة، إلا أنه من المنظور العراقى فإن عملية التفتيش من قِبل الوكالة والأنسكوم قد تم اختتامها بعملية «ثعلب الصحراء» وكان فى ذلك رسالة قاسية. وأصبح باديا للعراقيين أن الأمريكيين غير معنيين فقط بتفكيك البرنامج النووى العراقى، وأنه أيّا ما كان ما سيقوم به العراقيون فلم يكن أمامهم أمل فى تغيير موقف أمريكا تجاههم مهما فعلوا ومهما قدموا من تنازلات وتعاون. إن عملية «ثعلب الصحراء» أقنعت البعض بأن الهدف لم يكن تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل، ولكن تغيير النظام الحاكم فى العراق. وفى كل الأحوال فإن عدم ثقتهم وتشككهم فى عملية التفتيش قد تصاعد كثيرا.
وبعد أربع سنوات عندما تم استئناف عمليات التفتيش كان واضحا من أقوال ونظرات المسؤولين العراقيين الذين نعمل معهم أنها لا تزال تحمل الكثير من التشاؤم والتشكك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق